سيد قطب
2395
في ظلال القرآن
فتبدأ بدعاء زكريا : « رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً » بلا عقب يقوم على الهيكل : وكان زكريا قائما على هيكل العبادة في بني إسرائيل قبل مولد عيسى - عليه السلام - ولا ينسى زكريا أن اللّه هو وارث العقيدة ووارث المال : « وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ » إنما هو يريد من ذريته من يحسن الخلافة بعده في أهله ودينه وماله . لأن الخلق ستار القدرة في الأرض . وكانت الاستجابة سريعة ومباشرة : « فَاسْتَجَبْنا لَهُ ، وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ » وكانت عقيما لا تصلح للنسل . . ويختصر السياق تفصيلات هذا كله ليصل مباشرة إلى استجابة اللّه للدعاء . « إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ » . . فسارع اللّه في استجابة الدعاء . « وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً » . . رغبة في الرضوان ورهبة للغضب . فقلوبهم وثيقة الصلة دائمة التطلع . « وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ » . . لا متكبرين ولا متجبرين . . بهذه الصفات في زكريا وزوجه وابنهما يحيى استحق الوالدان أن ينعم عليهما بالابن الصالح . فكانت أسرة مباركة تستحق رحمة اللّه ورضاه . أخيرا يذكر مريم بمناسبة ذكر ابنها عليه السلام : « وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها ، فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا ، وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ » . . ولا يذكر هنا اسم مريم ، لأن المقصود في سلسلة الأنبياء هو ابنها - عليه السلام - وقد جاءت هي تبعا له في السياق . إنما يذكر صفتها المتعلقة بولدها : « وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها » . أحصنته فصانته من كل مباشرة . والإحصان يطلق عادة على الزواج بالتبعية ، لأن الزواج يحصن من الوقوع في الفاحشة . أما هنا فيذكر في معناه الأصيل ، وهو الحفظ والصون أصلا من كل مباشرة شرعية أو غير شرعية . وذلك تنزيها لمريم عن كل ما رماها به اليهود مع يوسف النجار الذي كان معها في خدمة الهيكل . والذي تقول عنه الأناجيل المتداولة ، إنه كان قد تزوجها ولكنه لم يدخل بها ولم يقربها . لقد أحصنت فرجها « فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا » والنفخ هنا شائع لا يحدد موضعه كما في سورة التحريم - وقد سبق الحديث عن هذا الأمر في تفسير سورة مريم - ومحافظة على أن نعيش في ظلال النص الذي بين أيدينا فإننا لا نفصل ولا نطوّل ، فنمضي مع النص إلى غايته : « وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ » . . وهي آية غير مسبوقة ولا ملحوقة . آية فذة واحدة في تاريخ البشرية جميعا . ذلك أن المثل الواحد من هذا النوع يكفي لتتأمله البشرية في أجيالها جميعا ؛ وتدرك يد القدرة الطليقة التي تخلق النواميس ، ولكنها لا تحتبس داخل النواميس . وفي نهاية الاستعراض الذي شمل نماذج من الرسل ، ونماذج من الابتلاء ، ونماذج من رحمة اللّه - يعقب بالغرض الشامل من هذا الاستعراض : « إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ، وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ » . . إن هذه أمتكم . أمة الأنبياء . أمة واحدة . تدين بعقيدة واحدة . وتنهج نهجا واحدا . هو الاتجاه إلى اللّه دون سواه .